أعادت التصريحات الأخيرة لوزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بشأن سبتة ومليلية، ملف المدينتين إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، في وقت جددت فيه مدريد تمسكها بموقفها القائل إن سيادتها على المدينتين «غير قابلة للتفاوض».
وكان وهبي قد أكد، خلال استضافته بالقناة الثانية يوم 21 غشت الجاري، أن سبتة ومليلية «يجب أن تعودا إلى أحضان الوطن»، مشددا على أن القضية ستظل «موضوعا للحوار بيننا وبين إسبانيا»، وأن المغرب سيحافظ على «حقه التاريخي والجغرافي».
واقترح وزير العدل إنشاء «لجنة للحوار مع إسبانيا لبحث وضع المدينتين»، معتبرا أن هذه القضية «لا يمكن الالتزام بالصمت بشأنها»، في موقف يأتي امتدادا لتصريح سابق أدلى به في 12 غشت، أكد خلاله أن المغرب لا يزال متمسكا بمطالبته بسبتة ومليلية.
وفي قراءة لهذه التصريحات، قال خالد الشيات، الباحث والأكاديمي وأستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إن الموقف الذي عبر عنه وهبي يعكس، وفق تقديره، الإجماع الوطني المغربي، قيادة وشعبا، بشأن ضرورة استرجاع المدينتين وباقي الأراضي المغربية التي يعتبرها المغرب محتلة.
وانتقد الشيات، في هذا السياق، ما وصفه بمحاولة الجانب الإسباني تفادي النقاش حول وضع المدينتين والتعامل معهما باعتبارهما جزءا من التراب الإسباني، مشيرا إلى ما يعتبره «مغالطات تاريخية» مرتبطة بغياب نظام سياسي مغربي أو التعامل بمنطق «الأراضي الخالية» الذي ساد خلال مراحل من الاستعمار الغربي.
وأضاف الأكاديمي أن الردود الرسمية والشعبية المغربية تكرس، بحسب رؤيته، مسألة مغربية هذه الأراضي، معتبرا أن النقاش حول سبتة ومليلية لا ينفصل أيضا عن ملف الهجرة غير النظامية، بالنظر إلى موقع المدينتين داخل المجال الإفريقي وعلى الحدود مع المغرب.
«خلق سياق سياسي جديد»
ويرى أستاذ العلاقات الدولية أن تبادل المواقف بين المغرب وإسبانيا، باعتبارهما دولتين منفتحَتين سياسيا، يمكن أن يشكل فرصة لفتح نقاش «واقعي وفعال» حول وضع المدينتين والمناطق التي يطالب المغرب باسترجاعها.
واعتبر الشيات أن الهدف من تصريحات وزير العدل لا يتمثل في تأزيم الخطاب السياسي، وإنما في «خلق سياق سياسي جديد ومتطور» يمكن أن يتيح، وفق تقديره، الوصول إلى حلول عملية لملفي الاحتلال والهجرة، خصوصا أن الأخيرة تمثل قضية إقليمية معقدة لا يمكن للمغرب تحمل تداعياتها وتكاليفها بمفرده.
وبخصوص إمكانية تجاوب مدريد مع هذا الطرح، استبعد الشيات انتظار مبادرة إسبانية بهذا الاتجاه، داعيا، في المقابل، إلى استثمار المغرب مختلف أوراق الضغط والتوازنات الكبرى، بما فيها الأبعاد العسكرية والجيوسياسية والاستراتيجية، فضلا عن علاقاته بالقوى الدولية، من أجل الدفع نحو حوار حقيقي بين الطرفين.
مدريد ترفض الطرح المغربي
في المقابل، جاء الرد الإسباني سريعا، إذ أكدت وزارة الخارجية الإسبانية أن سبتة ومليلية «تشكلان جزءا من الوحدة الترابية والسيادة الإسبانية المعترف بهما دوليا»، كما اعتبرت أن المدينتين جزء من تراب الاتحاد الأوروبي.
وأعلنت الخارجية الإسبانية «رفضها بشكل قاطع لأي طرح مغاير» بشأن وضع المدينتين، مشيرة إلى أن هذا الموقف تم إبلاغه إلى الجانب المغربي عبر القنوات الدبلوماسية.
وتأتي هذه المواجهة السياسية الجديدة في سياق إقليمي حساس، يتزامن مع أزمة هجرة شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي، بعدما عرفت المدينة عمليات عبور جماعي واسعة النطاق من المغرب، تجاوزت، وفق المعطيات المتداولة، قدراتها على الاستقبال، وخلفت خسائر بشرية كبيرة.
وتباينت الأرقام المعلنة بشأن حجم هذه العمليات؛ إذ قدرت السلطات الإسبانية عدد الوافدين إلى سبتة بنحو 70 ألف شخص، مقابل حوالي 40 ألفا وفق معطيات وزارة الداخلية المغربية.
كما اختلفت الحصيلة المتعلقة بالضحايا، حيث أعلنت وزارة الداخلية المغربية تسجيل 14 حالة وفاة غرقا، بينما تحدثت السلطات الإسبانية عن نحو 100 وفاة، إلى جانب عدد من المفقودين والأشخاص الذين لا يزال مصيرهم مجهولا.
وهكذا، تعود سبتة ومليلية إلى صدارة النقاش المغربي الإسباني، ليس فقط من بوابة المطالب التاريخية والسياسية، وإنما أيضا في ارتباط مباشر بملف الهجرة وأمن الحدود والعلاقات الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، في وقت يبدو فيه أن الموقفين الرسميين لا يزالان متباعدين بشأن مستقبل المدينتين.












































